لقد اكتشفت أكبر البنوك في الصين خدعة ذكية: دفع مزيد من المال للعملاء لحفظ دولاراتهم، ثم استخدام تلك الدولارات لشراء سندات الخزانة الأمريكية. إنها إدارة الأصول والخصوم مُزيّنة كدبلوماسية مالية، وهي تعيد تشكيل تدفقات رأس المال بين أكبر اقتصادين في العالم.
ارتفعت ودائع العملات الأجنبية في الصين إلى 1.18 تريليون دولار بحلول نهاية يوليو، بزيادة قدرها 17.9% مقارنة بالعام السابق. لقد احتاجت هذه الكتلة من الدولارات، التي تغذيها فوائض تجارية قياسية، إلى وجهة ما. وتبين أن ديون الحكومة الأمريكية، ذات العوائد فوق 4.7%، كانت وجهة جذابة للغاية.
لعبة معدل الإيداع
لسنوات، حافظت البنوك الحكومية الكبرى الخمسة في الصين على معدلات فائدة الودائع بالدولار عند حد أقصى قدره 2.8٪، وهو حد كان ساريًا منذ عام 2023. وتغير ذلك في يونيو عندما بدأت البنوك في تقديم معدلات تزيد عن 3٪ للرصائد التي تتجاوز 50,000 دولار.
كان الرياضيات منطقية للمودعين. تقع أسعار فائدة الودائع باليوان في البنوك الحكومية الكبرى عند 0.95% فقط. وضع أموالك بالدولار بمعدل يزيد عن ثلاثة أضعاف هذا المعدل لا يتطلب شهادة في التمويل لتقدير قيمته.
بالنسبة للبنوك، خلقت هذه الودائع مشكلة جديدة: ماذا تفعل بكل تلك الدولارات. إن الأصول الآمنة المحلية المقومة بعملة أجنبية نادرة في الصين. وقد وصفت مصادر مصرفية الوضع بأنه يشبه "مجاعة" في الخيارات المحلية الآمنة، مما دفع البنوك بشكل طبيعي نحو أعمق وأكثر أسواق السندات سيولة في العالم.
لماذا السندات، ولماذا الآن
ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية على مدى 10 سنوات بأكثر من 30 نقطة أساس إلى 4.76% منذ بداية يونيو، مدفوعًا بمخاوف متواصلة من التضخم وتفاؤل متزايد بشأن آفاق النمو في الولايات المتحدة. بالنسبة للبنوك الصينية التي تحتفظ بودائع بالدولار تدفع عائدًا يزيد قليلاً عن 3%، فإن شراء سندات الخزانة بعائد يقارب 4.8% يخلق فرقًا مربحًا.
التوقيت ملحوظ لأن السلطات الصينية كانت قد حثت سابقًا البنوك على تقييد عمليات شراء السندات الحكومية وسط توترات جيوسياسية وسوقية أوسع. لكن الموجة الحالية من الشراء لها طابع مختلف عن الحالات السابقة التي جذبت مراجعة تنظيمية.
التمييز الأساسي: هذه المشتريات ممولة بواسطة إيداعات العملاء بالدولار، وليس عن طريق تحويل اليوان إلى دولارات. عندما تقوم البنوك بتحويل اليوان لشراء أصول أجنبية، فإنها تضع ضغطًا هابطًا على العملة المحلية وترفع مخاوف لدى بنك الشعب الصيني. أما عندما تقوم ببساطة بتوظيف دولارات أودعها العملاء طواعية، فإن البُعد السياسي يختلف تمامًا.
هذا الهيكل يعني أيضًا أن الشراء لا يُضعف اليوان مباشرة. بل وعلى العكس، من خلال منح حاملي الدولار حافزًا للحفاظ على أموالهم في النظام المصرفي بدلاً من نقلها إلى الخارج، فإنه يساعد على استقرار السيولة المحلية للدولار.
الصورة الأكبر
حقيقة أن فائض التجارة الصيني يستمر في توليد تدفقات ضخمة من الدولارات يجعل هذه الديناميكية ذاتية التقوية. ما دام المصدرون الصينيون يكسبون المزيد من الدولارات مما يمكن للاقتصاد امتصاصه محليًا، يجب وضع هذه الدولارات في مكان آمن وسائل. وتتناسب السندات الأمريكية مع هذا المطلب أفضل من أي شيء آخر تقريبًا.
الفرق بين إيداع بقيمة 0.95% يوان وسندات خزانة بعائد 4.76% كبير جدًا لدرجة لا يمكن للبنوك تجاهلها، سواء كانت هناك حساسيات تنظيمية أم لا.
